ابن كثير
129
البداية والنهاية
وإن امرءا يسعى لدنياه دائبا * ويذهل عن أخراه لا شك خاسر فحتام على الدنيا إقبالك ؟ وبشهواتها اشتغالك ؟ وقد وخطك القتير ، وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه ، وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات ، وعاينت ما حل بهم من المصيبات : وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربص * وشيب قذال منذر للكابر كأنك معنى بما هو ضائر * لنفسك عمدا وعن الرشد حائر انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الأيام ، ووافاهم الحمام ، فانمحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم ، وأضحوا رمما في التراب ، إلى يوم الحشر والمآب : أمسحوا رميما في التراب وعطلت * مجالسهم منهم وأخلى مقاصر وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنى لسكان القبور التزاور فما أن ترى الا قبورا قد ثووا بها * مسطحة تسفى عليها الأعاصر كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال فيها ما تمناه ، وبنى فيها القصور والدساكر ، وجمع فيها الأموال والذخائر ، وملح السراري والحرائر . فما صرفت كف المنية إذا أتت * مبادرة تهوي إليه الذخائر ولا دفعت عنه الحصون التي بنى * وحف بها أنهاره والدساكر ولا قارعت عنه المنية حيلة * ولا طمعت في الذب عنه العساكر أتاه من الله ما لا يرد ، ونزل به من قضائه ما لا يصد ، فتعالى الله الملك الجبار ، المتكبر العزيز القهار ، قاصم الجبارين ، ومبيد المتكبرين ، الذي ذل لعزه كل سلطان ، وأباد بقوته كل ديان . مليك عزيز لا يرد قضاؤه * حكيم عليم نافذ الامر قاهر عنى كل عز لعزة وجهه * فكم من عزيز للمهيمن صاغر لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها ، وما نصبت لك من مصايدها ، وتحلت لك من زينتها ، وأظهرت لك من بهجتها ، وأبرزت لك من شهواتها ، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها :